Tag: كورونا

بلاد العالم الورق

عندما كنت أجلس أشاهد أحد افلام الخيال العلمى التى دائما ما تبدأ بداية سعيدة كعادة معظم الافلام الهوليودية , فالبطل يعيش حياة طبيعية مع عائلة سعيدة وعله عمل مستدام و ناجح فيه الى ان يصل الفيلم الى قمة حبكته ليطل على القصة الخطر العظيم الذى لا يهدد فقط مدينة البطل و لكنه بكل حال من الاحوال سيصيب الكوكب بأكمله , وهنا يشمّر البطل عن ساعديه ليقرر انه خارج الى المجهول لينقذ العالم فى مشهد طالما تكرر و حفظناه و نتوقعه من كثرة ما رأيناه فى تلك الاعمال .
كنت كل مرة فى نهاية الفيلم ….اخرج منه بحُكم عن القصة و المؤلف و الى اى مدى وصل خيال المؤلفين والحركة والاخراج او اداء الممثلين او على أقل تقدير أتنفس الصعداء ان هناك بطل ما سينقذ العالم فى وقت ما…. بطريقة ما .
و يأبى الخيال ألّا يتحول الى واقع , فى قصة من قصص هوليود سواء اكان الموضوع عقاب الهى او فيروس فى طور التطوير و سربته جهة ما ,او نوع من انواع الحروب الباردة التى كنّا نقرأ عنها فى دنيا الأساطير .
و بعيدا عن التحليل الطبي فهذا وقت ان ياخذ كل ذى مقال مقامه…فأنا اتحدث عن شواهد وحقائق واقعة ونعيشها الان ….فهذا فيروس لا يُرى بالعين المجردة و بقدرة من يقول للشئ كن فيكون كان سببا فى ايقاف اغلب مطارات العالم و اغلاق مساجد و كنائس وملاعب كرة القدم و انهيار أسواق و اقتصاديات لم يكن أكثر المتشائمين فى هذا العصر ان يتوقع هذا السيناريو لها…..مازلت اتذكر تباهى كلا من كيم و ترامب كلا بترسانته النووية و التراشق فيما بينهما .. اى منهما ريموته أكبر؟
ها هو “الكورونا ” استطاع ان يتحدى التكنولوجيا و درجات العلم و تكبُّر الانسان الذى ظن انه اصبح فى مأمن و ملجأ حصين و انه قادر على مواجهة كل ما على الارض , و رغم انه بعيد كل البعد عن بند من بنود علم الادارة فى تقييم مخاطر المشاريع فانه دائما ما يفرض مدير المشروع الناجح الفاهم ( ان وّجد ) كمية من الاموال افتراضية تقديريه للأخطار التى لا تّتوقع .
الانسان الذى وصل الى الفضاء و جعل العالم قرية صغيرة و ربطها بأحدث و اسرع طرق التكنولوجيا ….من سرعة وصول المعلومة وتحليلها…فمازال صدى صوت الفنان عادل امام …فى فيلم مرجان احمد مرجان و هو يسخر و يقول ” ان التليفزيون ينقل الخبر قبل ان يقع ب أربعة أيام “
الانسان بما وصل اليه من زهو وغرور و تباهى بما وصل اليه من معرفة و تكنولوجيا ….قد يفقدها باى سبب من الاسباب و بأقل سبب من الاسباب فى عُرف الانسان…” وما يعلم جنود ربك الا هُو ” ….مازال فى ذهنى يتردد حديثين منفصلين لطبيبين من بقعتين مختلفتين على هذا الكوكب و كلاهما يا لا سخرية القدر …يصفوا الفيروس بالتافه الضعيف ….لا اعلم لو انه كان فيروس قوى …ماذا كانت النتائج الى الان ؟
ما أعلمه و ما اوقن به اننا بعيدون جداّ عن مسار الله سبحانه و تعالى و ان هذا انذار الى الانسان الذى فُتن فى قدراته و انجازاته …ما
اعلمه اننا رأينا بأعيننا أمثلة كثيرة لتصرفات و سلوكيات النفس البشرية فى هذا الوقت ..من تخزين للمواد الغذائية و البحث عن ملجأ و القلق ….. فلقد ضرب الفيروس الدور الأول من هرم الانسان بعد المأكل و الملبس و المسكن …يضرب له فى الصميم عنصر الأمن والامان ……و كأن الله يقول للانسان ….الى اين تلجأ …فلا ملجأ من الله الا لله ….لمن المُلك اليوم …لمن المُلك اليوم ؟
على غرار ما كتبه و ما قرأته …أتمنى ان يكون عالم الغد بعد كورونا أفضل حالا مما قبله …. قال الله تعالى : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس/24
فقد صرحت الآية بأن سياقها سياق مثل للحياة الدنيا ، وما يكون من مآلها ، وسرعة زوالها .
قال ابن كثير:-
” ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء ، مما يأكل الناس من زرع وثمار ، على اختلاف أنواعها وأصنافها ، وما تأكل الأنعام من أبٍّ وقَضْبٍ وغير ذلك ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : زينتها الفانية ، ( وازينت ) أي : حسنت بما خرج من رُباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ، ( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على جذاذها وحصادها ، فبينا هم كذلك ، إذ جاءتها صاعقة ، أو ريح باردة ، فأيبست أوراقها ، وأتلفت ثمارها ؛ ولهذا قال تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي : يبسا بعد تلك الخضرة والنضارة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك
لمن المُلك اليوم ” ؟

عندما عطس القبطان

” عندما عطس القبطان

   استيقظت فى ذاك الصباح على مضض ,كطالب لم يستذكر دروسه وعنده امتحانه الذى يحدد مستقبله ,حذر من كل شئ حوله , جلست على السرير فى حجرة النوم فى فندق ” برج الرافعة الصفراء”  فى” حى الصداقة” فى مدينة ووهان الصينية …وهذا الكائن العجيب  القابع داخل تلافيف عقلى ممسك بعجلة القيادة والتوجيه اللارداى الى ان اقوم لاتفحّص جسمى من لونه و درجة حراراتى و اى تغيرات قد طرأت علّى من ليلة أمس قبل مغيب الشمس التى لم نراها فى اى مكان فى سماء المدينة ولكننا ادركناها من ساعة اليد التى ارتديها و صورة مغيب الشمس على الشاشة العملاقة الموضوعة بعناية هناك فى هذا المكان الوحيد مع خلفية صناعية زرقاء لتحاول قدر الامكان ان تقول لك من هنا تغرب الشمس .

جرجرت قدمى زحفا و جبرا على أمل ان ألحق بأخر رحلة جوية تقلع عصر هذا اليوم من مطار ووهان تيانهى الدولى …. ارتديت ملابسي و نويت الصيام فأفضل ما يمكن ان تقوم به هنا هو الدعاء ان تخرج سالما غانما الى مكان يوجد فيه وجوه بشر …لقد أصبحت اتمنى ان ارى ثانية الانفاعلات الانسانية من غضب و ضحك و ابتسام و انفعال وهى ترتسم على الوجوه ….انا لا ارى الان الا فمى واسنانى امام مرآة الحمام لبضع ثوانى معدودات  خوفا ان يكون احدهم قد مر من هنا و ترك لى هدية بعمد او بغير عمد من هذا الكائن الغير مرئي الذى حيّر علماء و خبراء كيان من اكبر كيانات العالم ولا يوجد له علاج الى الان

 …لا يوجد بشر هنا… الا انا وصديقى فى العمل الذى اتى معى لنتأكد من جودة مواسير المشروع و سنشهد بعض الاختبارات فى المصنع ونتأكد من وصول المواسير الى الميناء ومنها ننطلق لرغباتنا  ….فقد كانت الرحلة لاسبوع منها يومين للعمل وخمسة أيام ننطلق بها فى مدن الصين نرى بأم أعيننا عرين هذا النمر فربما صادف هوى أحدنا ورأى منتجا فى مصنع يستطيع ان يشحنه الى مصر ….. او على اقل تقدير ان نحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه .

ولكن قد جرت الرياح فعلا بما لا تشتهى سفن أحلامنا …حتى فى اسوء كوابيس احدنا لم نكن نتخيل اننا سنكون فى مدينة تسكنها الاشباح , و رجال بوليس لا يتواصلون معنا الا ببرامج ترجمة فورية من الصينية الى الانجليزية ومنها الى العربية …..مازالت صور المدينة لم تبرح ذاكرتى من شوارعها الميتة و محلاتها المنهوبة  الخاوية على عروشها الا من رجال البوليس و الجيش وسرينة سيارات الاسعاف التى لا تنقطع .

بعد ان ارتديت ملابسي وقناع جديد و تأكدت انى اخذت معى اكثر من عشرة قطع أخري لعل وعسي يحدث شيئا ما و لا احد يدرى متى ستقلع الطائرة ….ثم حدّثت نفسي  لماذا لا أضع قناعين ….جربتها فوجت ان الهواء قد قل وان قدمى لم تعد تحملنى بعد ثلاثين ثانية تقريبا ….فنزعت احدهما و اخذت شنطة سفرى متوجها الى ممر الغرف للأجد صديقى واقفا هو الاخر شاحب الوجه تنطلق من عينيه الف سؤال وسؤال وتتسرب من نظراته جرعات من القلق المٌؤكد …هنا يغلب فقط لغة العيون …فهى كل ما تراها …و هى الاصدق بالتأكيد من الصوت .

اخترنا ان نستخدم السلم فى النزول الى الاستقبال  وليس المصعد بعد ان رأينا عدة مقاطع صغيرة لبعض الاشخاص الصينين و هم يتعمدوا ان يعطسوا وينقلوا الفيرس الى كل ما هو حولهم …..الحقيقة عندما تناقشنا انا وصديقى عن الفعل نفسه انتهينا اننا نفسنا لم نُختبر بما أصاب هؤلاء القوم فلا ندري دوافعهم  الحقيقية و لا رد فعلنا لو قدر الله و اصيب أحدنا .

وصلنا الاستقبال لنعمل (شيك اوت ) …قرأت موظفة الاستقبال اسمينا  مستر “هانى عبد المنعم” و مستر” محمد صقر” فلقد كانت تضع قناعا و ترتدى قفازات و غطاء للرأس ….اجبناها بهز رؤوسنا …ثم اكملت ” نرجو ان تكونوا استمتعتوا بالاقامة معنا …نتمنى ان نراكم ثانيةً “…اعتقد ان تحت هذا القناع كانت هناك تلك البسمة البلهاء المدربون عليها و لكن لا الظروف التى بها المدينة ولا حالتنا وحالتها النفسية تسمح بها …فكلنا خائفون و قلقون .

كان علينا ان ننتظر  نحن الاثنين مندوب الشركة ليوصلنا  الى المطار ….آثرنا ان نظل واقفين رغم محايلات موظفى الفندق ان نجلس فى بهو الفندق … و على الرغم من اننا راينا عاملى النظافة وهم يرشون مطهرات و يقوموا بتعقيم المكان ويمسحوه تقربا كل ثلاثون دقيقة الا اننا آثرنا الوقوف و كل منا يحمل حقيبته فوق ظهره .

أصبح القلق اكثر و اكثر بينى وبين “صقر” …لقد تأخر المندوب …و لا يمكن ان نخرج بمفردنا …الوقت هو الاخر لا يمر ….يتثاقل فى حركته ..بل على العكس فى بعض الاحيان كنت أُطالع ساعة الاستقبال و اجد الثانية الواحدة  امتدت و اتسعت لتصبح بضع ثوانى  ثم الدقيقة هى الاخرى لا تتحرك ….انا لا ادرى ان ادراك الاشياء والتركيز عليها يجعلها تتوقف او لا تمر ….أنظر الى “محمد صقر ”  احاول ان اجد اى عبارة من عبارات كتب التنمية او التحفيز فلا أجد …يا الاهى اين تذهب الكلمات عندما احتاجها …هى عادتى واعرفها دائما ما تأتينى الكلمات المناسبة للرد بعد ان أخرج من الموقف الذى كنت فيه .

اكتفيت ان استعمل الاسلوب الساخر لافتح حوار مع ” صقر ” لعل وعسي أن نفقد ادراكنا للوقت فيمر …نتحايل على الدقايق لتمر ….نظرت اليه وقلت له :اتذكر حوارنا قبل السفر من القاهرة بيومين فى المكتب وعن الامال و الأحلام و برنامجنا لاى مدن سنذهب وأى مصانع اخرى سنراها …نضحك و يدعو و يقول ربنا يكرمنا ان شاء الله و نركب الطائرة الى مصر على خير وتوبة ان حضرت الى الصين ثانية ….ثم اسأله يا ترى تعتقد ان مندوب الشركة بخير او جاله كورونا ؟….نضحك ثانية لحد البكاء فنحن فى فرحنا وحزننا تدمع أعيننا …و نختم الضحك بقول لعله خير واذا لم يأتى بعد ساعة من الان سنجازف نحن ونتحرك الى المطار و ليكن ما يكون “

بعد أربعين دقيقة من طابور الذنب الذى كنا فيه من الانتظار ….يحضر الى بهو الفندق مندوب المصنع المرافق لنا ليأخذنا الى اخر رحلة جوية الى القاهرة .

اعتذر المندوب ببعض الكلمات الانجليزية التى سرعان ما كان يخلطها ببعض الكلمات الصينية الغير مفهومة لنا بالتأكيد ان كل شارع فى بدايته ونهايته يوجد تعسكر لمجموعة افراد من الشرطة ولابد ان يتوقف ويختبردرجة حرارته لعله يكون مصاب بفيرس كورونا .

توجهنا الى سيارته و قادها متوجها الى المطار ….و ها هى المرة الاخير ة التى سارى فيها مدينة الاشباح ,فالمواصلات متوقفة و المحلات مغلقة و قلما تجد شخص على الارض او حتى يركب سيارته ….هنا فى ووهان أُجُبرت الحياة على التوقف.

وصلنا المطار اخير بعد اكثر من ثلاث ساعات …لنكتشف و يالا الحظ العسر …لقد اقلعت الطائرة …اخذنا دقائق لنستوعب الموقف ….اخر رحلة جوية من مدينة الاشباح قد غادرتها متوجهة الى الاراضى المصرية ….لم نجد حقا ما نفعله الا ان نصب غضبنا و خوفنا و كل الانفعالات السلبية و وحوش الكوابيس على مندوب الشركة و كيف لو انه اتى مبكرا ما فوتنا تلك الرحلة .

استجمعنا قوتنا و فكرنا فى الحل المناسب ان نأخذ رحلة الى دولة اخرى ومنها الى القاهرة ولكن اقرب رحلة كانت الى ماليزيا و منها الى القاهرة بعد 36 ساعة بالتمام و الكمال .

اذن الحل الامثل ان نحجز و نعود ثانية الى الفندق و نقضى فيه ساعات القلق فيه , الى ان يحين موعد الرحلة الى كوالالمبور .

مرة اخرى انا و”صقر” فى بهو الفندق و كل منا امسك تليفونه يُحدّث عائلته …يُخفف وقع الموقف و انه هناك تعديل فى توقيت الرحلة ليس أكثر ….ثم دخل كل منا الى غرفته بعد ان وعَدنا المندوب ان يأتى غداً فى موعده و ان تأخر عنه لساعتين …هنا نعلم انه قد اصابه مكروه .

قررت عند دخولى الغرفة ان أنام ….و لن اتناول علبة التونة التى معى من مصر …فانا مازلت صائما لم افطر و قررت انام …فالنوم فى العادة سلاح جيد للهروب خاصة لو كنت افكر فى موضوع مهم و الخيارات و القرارات مصيرية غير واضحة المعالم و مستوى الخطورة فى كل القرارات مرتفع جدا .

مع آذان  فجر اليوم الجديد وجلست ادعو الله ان يُعيدنا برحمته وحوله وقوته الى اهلنا سالمين غانمين ….طرق باب الغرفة شخص ما …و يصيح باسمى هانى …هانى …ميّزت الصوت انه ..محمد صقر ..فتحت له الباب و اذ به مضطرب و قال هل تابعت الاخبار ؟

-لا لماذا

– يا معلم” هانى” كل الدول وقفت رحلاتها الجوية الى الصين

-الله اكبر مَن الذى أبلغك ؟

اخرج “محمد” هاتفه الجوال و ارانى اخبار معظم دول الشرق الاوسط و بعض الدول الاوربية انها اوقفت رحلاتها الجوية الى الصين , سيطر شبح سجن مدينة الاشباح الى الأبد أمام عينيّ …..واضح ان صقر قد قضى الليل كله مع الاخبار حول العالم … وما جعله يأتى الى غرفتى الا انه يعلم ان ماليزيا هى الاخرى قد اوقفت رحلاتها الجوية الى الصين .

  • اقترح صقر  ان نتصل بالمندوب و نقص له الموقف
  • الا اننى قد رأيت الا نحمّل الرجل فوق طاقته ونتصل به مع موعيد عمله فى السابعة صباحا , فهو حل مثالى ولابد انه سيكون مستيقظ

و ها نحن ثانية , ننتظر مرور الوقت , ساعتين كاملتين سنقضيهم فى الانتظار , و ما ادراك ما الانتظار , ان تنتظر قرار مجهول لنتيجة مجهولة , ان تنتظر أحدهم ليدلك على طريق اى طريق لتسير فيه و لا تضمن النتيجة .

امسك كل منا هاتفه يبحث عن دولة ما تصلح ان ندخلها و نطير منها الى مصر …و ايضا نبحث عن الدول التى مازالت رحلاتها الجوية مستمرة مع الصين .

قال” صقر” مقاطعا السكون …” نتصل بالمطار و نسأل عن رحلات بديلة غير ماليزيا الى ان تأتى الساعة السابعة ونتصل بالمندوب ليقوم بالحجز لنا او نحجز اون لاين من هنا ؟

اجبته :- نعم اوافقك الرأى …و فعلا اتصلنا باستعلامات المطار …ليجيب علينا عامل الاستعلامات بانه اسف جدا انه تم ايقاف جميع الرحلات فى المطار …. أعدت على الرجل السؤال …فاجابنى بنفس الاجابة ….ان جميع الرحلات الجوية من المطار قد تم ايقافها مؤقتا .

اذن كل الطرق تؤدى بنا  اننا سنمكث هنا فى هذه البلد ….التى نطالع اخبارها عن طريق وكالات انباء عالمية و بعض مقاطع الفيديو المسربة من هنا و هناك ….فنحن لم نرى شيئا و لا نسمع شيئا هنا ….تموت الحقيقة دائما فى انظمة قائمة على الشيوعية و سياسة كل العالم ضد و انا مع اخى الاكبر .

لم يعد امامنا الا ان نتصل بمندوب الشركة ليستيقظ و لتسقط كل ابجديات الاتيكيت ….نريد ان نعود الى مصر ….الى الحياة ….فالطريق الذى نحن فيه الان بكل معطياته يقودنا الى كورونا او الموت من القلق .

اتصلنا بالمندوب فرد الرجل حقيقة على الهاتف و قد اصيب هو الاخر بخيبة أمل ….و بكلمات بسيطة متقطعة قال : ساعاود الاتصال بكم بعد عشرين دقيقة

جلست و “محمد صقر” على السرير و الصمت هو سيد المحادثة وكل منا ينظر الى أرضية الغرفة ….تارة اقول لا اله الا الله بصوت عالى ليطمئن محمد  …و تارة اسمع منه…لا حول ولا قوة الا بالله .

..شكلها النهاية يا معلم ” هانى” هنا ولا ايه ؟

  • واضح جدا و احتمال كبير

و يخيم ثانيةً على الغرفة بكل تفاصيله …السكون التام و توقّف الوقت …..الوقت ثانية لا يمر …لا أعلم أهو من القلق او الانتظار او الخوف ….قلق من الموت …لا اعتقد …اعتقد انه قلق من عملية التعامل لو قدر الله ان أصيب أحدنا …..ماذا سيحدث عندها ؟ ….او هو الخوف من استقبال مكالمة تليفون المندوب و ان اسمع منه اعتذار للمرة الثالثة و اننا سنمكث فى هذا الفندق الى ان يشاء الله ليقضى أمرا كان مفعولا .

مرت العشرون دقيقة كالدهر و رن جرس هاتفى فاذ به رقم ندوب الشركة …و ها هو يعتذر للمرة الثالثة لى اننا لن نستطيع ان نغادر جواً…ساد الصمت معه للحظات الى ان اكمل كلامه و قال …هناك حل يا مهندس هانى

قال الرجل كلمة مهندس بالعربية وهو يضغط على كل حرف فيها ….أجبنا أنا و”محمد صقر” فى نفس واحد …ما هو الحل ؟

فلقد كانت عبارة ” هناك حل يا مهندس هانى ” ….مفعولها السحرى لتفتح امامنا مرة اخرى خيط رفيع من الأمل للحياة فى وسط سجن مدينة الاشباح

قال الرجل و قد زاد صوته حماسا ” لقد تدبرت لكم مكاناً على متن باخرة شحن المواسير الى القاهرة ….بعد مفاوضات عنيفة و مجهود كبير لنقنع شركة الشحن انها اذا لم توافق على هذا الطلب سيضُر هذا الموقف بالعلاقات بين شركتكم و شركتهم …الامر الذى جعلهم يقبلون على مضض وشروط صارمة ؟

  • أجبته اى شروط ؟
  • قال ان تسلموا تليفوناتكم المحمولة و كل متعلقاتكم الى قبطان المركب
  • قال “صقر ” ..لا يوجد مشكلة …موافقون
  • قال المندوب اذن اجهزوا الان … لان المركب سيتحرك بعد ست ساعات

و فعلا حضر المندوب الى الفندق و اصطحبنا الى ميناء الشحن , وصعدنا الى المركب و سلمنا القبطان تليفوناتنا و متعلقاتنا و تم الكشف للمرة الثامنة او التاسعة , فمن كثرة عدد مرات الفحص لم أعد أحصيها ……. و الحمد الله لم يظهر شيئا.

ودّعنا مندوب الشركة و كانت هناك ابتسامة حقيقة على شفاهنا تحت القناع ….اننا اخيرا عائدون الى مصر ….ويستحضر مخى الان و يردد بعض الاغانى الوطنية …و تختلط باخرى  من المحفزات لرفع المعنويات و اغنية رامى جمال …سقف …سقف …سقف ..لو الظروف هنسخفت ….سقف …لا أعلم الى الان من اين اثبتوا ان الدنيا طعمها سكرى و هى تماما كالملبن الطرى …لا ادري اين كان كاتب الكلمات فى اللحظة التى كتب تلك الكلمات ولكن ما أعرفه حقيقة واضحة وضوح الشمس التى لم أراها على مدار الاسبوع انه لم يكن عائد الى بلده على متن سفينة شحن و يحاول ان يهرب من عالم الاشباح .

و انطلق صفير الباخرة معربا عن مغادرتها أرض الميناء ….و نحن على متنها مودعين مندوب الشركة …و نسجد لله شكرا ان اخرجنا من هذا الموطن .

كانت غرفتنا فى السفينة اشبه بعلبة من الكبريت مكونة من باب صغير جدا و بها سريرين فوق بعضهما البعض …حمدنا الله ان هناك مكان اصلا لننام فيه ولو حتى حكمت كنا مستعدين ننام على سطح السفينة .

علمنا ان السفينة ستمكث فى الماء لمدة قد تصل الى ست عشر يوما .

كان طاقم السفينة مكون تقريبا من سبعون شخص و هناك بعض الاشخاص ايضا المغادرون الى افريقيا …..مر اليوم الاول والثانى بسلام …و الاكل و الشرب فى الموعد المحدد بمطعم الباخرة …كنا قد تعرّفنا على معظم طاقم المركب و كانوا ودودون جدا ومبتسمون دائما ….فالباخرة اعادت الينا الحياة او هكذا ظننا ….فلقد ازلنا الاقنعة..و قد اصبحنا نرى بعض الاشخاص يتشاركون فى الاحماءات الصباحية و بعض الانشطة الاخرى مثل مشاهدة فيلم بعد الساعة الثامنة فى مطعم الباخرة وهكذا تنقلنا هذه الباخرة من ميناء الاموات الى ميناء الحياة .

حتى جاء صبيحة اليوم الرابع وقال احد افراد الطاقم ان الكابتن يدعونا الى الغذاء اليوم فى مطعم الباخرة  كضيافة منه .

توجهنا الى المطعم فى تمام الساعة الواحدة و جلسنا انا و”صقر”متجاورين  على مائدة القبطان الخاصة و الذى كان ينتظره معنا أربعة من مساعديه.

من اخر المطعم ظهر الرجل يمشى مترنح او هكذا خٌيّل لى ….الى ان وصل الى المائدة فوقفنا انا ومحمد صقر لنسلم على الرجل و نحيّه و نشكره على الدعوة …و ما ان وصل الى المائدة و مد يده يسلّم على “صقر” حتى عطس الرجل فى وجهينا …و تناثر الرزاز علينا نحن الستة ….فلم اسمع الا صوت “محمد صقر ” يقول”أحس ان يد القبطان درجة حرارتها عالية و أنفه محمر و يبدو انه كما لو كان عنده ضيق فى التنفس  يبدو انه أصيب بانفلونزا او …..

-او ماذا ؟

– كورونا

تناولنا الغذاء على عجل و شكرنا الرجل و غادرنا …لنبيت فى شك الى اليوم التالى ….ماذا اذا كان القبطان مصاب بالفيرس ؟

حاولنا ان نخفف من وقع الأمر وان ننظر الى نصف الكوب المليان كما يقول خبراء التنمية البشرية ولكن رغم كل مياه المحيط من حولنا الا اننا حقيقة لم ننجح ان نقلل درجة الرعب والتوتر التى بنا …ففى مخيلتى مازلت ارى فلاش باك صورة القبطان وهو يسلم على صقر و ينثر علينا رزاز عطسه على كل المائدة .

نقول ان الاعلام ربما يضخّم الامر وان الموضوع حمى و نوع من انواع الانفلونزا …التى سستنتهى ..ثم كيف ستصيبنا نحن المصريين و نحن نتناول أخطر وجبات الكوكب ومازالت مناعتنا لم تتغير …..ثم اعود واقول فى نفسي ان مناعتنا لم تّختبر رأفة من الله بنا الى الان ……فمصر محروسة ….لا يدخلها اى عدو حتى يذوب على أرضها ……ثم يقفز فى المشهد مقال قد نشره الدكتور الكاتب خالد توفيف رحمه الله عن خطورة الفيروسات و كيف تطور من نفسها و تعود بشكل جديد كل مرة بأسلحة جديدة كل مرة ….. ومرة اخرى ندخل فى دوامة القلق من فرضيات مخيفة الى ان استسلمنا للنوم …مفتاح الهروب الكبير دائما .

 …ليأتى الصباح و اثناء تناول الافطار نعرف ان الطاقم الصحى على الباخرة يشك ان قبطان المركب مصاب بفيرس كورونا وانه قد تم عزله فى غرفته….و ان هذه اخر وجبة فى المطعم واننا جميعا سيتم عزلنا و سيتم تطبيق العزل الصحى علينا …و ساد الهرج و المرج على كل الحاضرين و التفواعلى الشخص الذى اذاع الخبر يمطروه بعشرات الاسئلة

اما انا و محمد صقر و ما حدث لنا فى الباخرة من بعد هذا الخبر ……… فهذا حلمُ آخر .

تمت

هانى عبد المنعم .