مقالات حياتية

أكتب اليك

فِي الْبِدَايَةِ أُرِيدُ أَنْ أُذَكِّرَكِ أَنَّنَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ، حِينَ نَلْتَقِي بِأَحَدِ الْأَشْخَاصِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، نُخْبِرُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَنَفْتَحُ لَهُ صَفَحَاتِ قَلْبِنَا لِيَقْرَأَهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُتَاحُ لِأَيِّ أَحَدٍ. وَرُبَّمَا سَتَرَيْنَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بَعْضَ الْغَرَابَةِ، خَاصَّةً أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ كَثِيرًا بِالْفِعْلِ، فَمَا الدَّاعِي إِذَنْ لِأَنْ أُرْهِقَكِ بِقِرَاءَةِ رِسَالَةٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ أُخْبِرَكِ بِمَا أُرِيدُهُ مُبَاشَرَةً؟
رُبَّمَا لِأَنِّي عِنْدَمَا أَكْتُبُ، أُغَازِلُ اللَّغَةَ؛ لِتَأْتِيَنِي بِأَعْذَبِ الْكَلِمَاتِ وَأَصْدَقِهَا؛ فَالْكِتَابَةُ جُزْءٌ مِنْ تَعْبِيرِي، وَبِهَا أَجِدُ بَعْضَ التَّدَاوِي .
فَنَحْنُ نُعَبِّرُ عَنْ أَنْفُسِنَا بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ: بِالْحَرَكَةِ، أَوْ بِالْكَلَامِ، أَوْ بِالنَّظَرَاتِ -أَعْرِفُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَاحَةٍ الْآنَ-، أَوْ بِالْمِزَاحِ، أَوْ بِإِشَارَاتِ الْأَيْدِي.. فِي كُلِّ طَرِيقَةٍ مِنْهَا هُنَاكَ جُزْءٌ مِنَّا يَصْعُبُ أَنْ يَعْرِفَهُ الْآخَرُونَ عَنَّا، هُنَاكَ جُزْءٌ غَيْرُ وَاضِحٍ حَتَّى لَوْ رَأَوْا بَقِيَّةَ الطُّرُقِ.
أَنْتِ الْآنَ تَعْرِفِينَ الْكَثِيرَ عَنِّي، مِنْ بِدَايَةِ حَدِيثِنَا عَلَى الْإِنْتَرْنِتْ، وَأَخِيرًا مِنْ مُقَابَلَتِنَا وَجْهًا لِوَجْهٍ عَلَى نَاصِيَةِ الْخَيَالِ، تَعْرِفِينَ أَنَّنِي أَمِيلُ إِلَى خَلْطِ الْمِزَاحِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُضْجِرُ أَصْدِقَائِي أَحْيَانًا، وَتَعْلَمِينَ أَيْضًا أَنَّنِي أُبَالِغُ فِي اسْتِخْدَامِ يَدِي وَأَنَا أَتَحَدَّثُ، قَدْ يَرَى الْبَعْضُ أَنَّ الْأَنَا عِنْدِي عَالِيَةٌ فَوْقَ الْحَدِّ الْمَسْمُوحِ بِقَلِيلٍ. وَرُبَّمَا أَمِيلُ إِلَى الصَّخَبِ حِينَ أَكُونُ وَسْطَ صُحْبَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَهُوَ مَا تَحَقَّقَ سَرِيعًا مَعَكِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ لِقَاءَنَا الْأَوَّلَ.
وَرُبَّمَا تَعْرِفِينَ حَتَّى قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ حَدِيثَنَا الْأَوَّلَ، أَنَّنِي تِلْمِيذٌ فِي مَدْرَسَةِ الْحَيَاةِ -وَإِنْ كُنْتُ مُهَنْدِسًا-، وَأَنَّنِي أَكْتُبُ الْأَدَبَ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، وَإِنْ شِئْتِ الدِّقَّةَ فَهُوَ يَكْتُبُنِي أَيْضًا فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ، وَلِي رِوَايَةٌ مَنْشُورَةٌ مُتَوَسِّطَةُ الْمُسْتَوَى، أُعَرِّفُهَا كَابْنَتِي الصُّغْرَى.
أَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكِ أَنْ تُجَامِلِينِي؛ فَأَنَا أُقِرُّ بِهَذَا، وَلَكِنِّي أَجِدُ أَنَّ خَيَالَ كُلٍّ مِنَّا جُزْءٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا أَكْتُبُ؛ لِأَنَّ خَيَالِي جُزْءٌ مِنِّي، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ إِجَابَةَ السُّؤَالِ.
أَكْتُبُ إِلَيْكِ؛ لِأَنَّنِي أَوَدُّ أَنْ نَكُونَ أَصْدِقَاءَ، وَأَوَدُّ مِنْكِ بَعْدَ قَبُولِ صَدَاقَتِي أَنْ تَرَيْ هَذَا الْجَانِبَ مِنِّي، الْجَانِبَ الَّذِي لَا أَسْتَطِيعُ حِكَايَتَهُ إِلَّا بِالْكِتَابَةِ، وَأَخِيرًا لِأَنَّكِ جَمِيلَةٌ، وَلِأَنِّي أُحِسُّ أَنَّ بِدَاخِلِكِ الْكَثِيرَ لِتُشَارِكِيهِ مَعِي مِنْ نَهْرِ الْحُبِّ الْجَارِي فِي مَدِينَةِ قَلْبِكِ .
يُمْكِنُنِي أَنْ أُخَمِّنَ أَنَّكِ قَدْ سَئِمْتِ أَنْ يُخْبِرَكِ النَّاسُ بِهَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا أَمْرًا يُمْكِنُ الْمَرْءَ التَّغَاضِي عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ أَكْثَرَ مِنَ الصَّدَاقَةِ. أَنْتِ جَمِيلَةٌ جَمَالًا يَجْعَلُنِي أَتَسَاءَلُ: كَيْفَ يُمْكِنُ النَّاسَ أَنْ يُعَامِلُوكِ كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ يُخْفُوا دَهْشَتَهُمْ مِنْ هَذَا الْجَمَالِ كُلَّ لَحْظَةٍ؟! أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ فِعْلًا!
تَخَيَّلِي مَعَي أَنَّنَا بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مِنَ الْآنَ، فِي مَجْمُوعَةِ أَصْدِقَاءَ، وَسَأَلَنَا أَحَدُهُمْ فَجْأَةً: (عرفتوا بعض ازاي)، وَإِذْ كَانَ عَلَى أَحَدِنَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِلِقَائِنَا الْأَوَّلِ، أَكْتُبُ الْآنَ لِأَنِّي لَا أُرِيدُ حِينَهَا أَنْ تَتَفَاجَئِي بِأَنِّي أَحْتَفِظُ بِذِكْرَى لِقَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ الَّتِي ظَلِلْتِ تَحْمِلِينَهَا كُلَّ تِلْكَ الْمُدَّةِ. الْتَقَيْنَا وَتَحَدَّثْنَا فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْأُمُورِ: عَلَاقَتِي السَّابِقَةِ، الْأَوْغَادِ الَّذِينَ عَرَفْتِهِمْ فِي حَيَاتِكِ، صَدِيقِي وَقَرِيبِكِ؛ الْعَامِلِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي عَرَّفَنِي بِكِ فِي عَلَاقَةِ عَمَلٍ.
أَوَّلًا: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ مَوْعِدُ عَمَلٍ كَعَادَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَعْمَلُهَا وَأَلْتَقِي فِيهَا عَشَرَاتِ الْوُجُوهِ وَالْأَشْخَاصِ كُلَّ يَوْمٍ، إِلَّا أَنَّهُ حَدَثَ شَيْءٌ مَا؛ قَدْ هَرَبَتْ مِنِّي الْكَلِمَاتُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَمْ أَسْتَطِعْ وَصْفَهُ, قَدْ هَرَبَتْ كُلُّ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَا الْخَبِيرُ بِحُرُوفِ الْجَرِّ وَالْحَرَكَاتِ. رُبَّمَا ارْتَبَكْتُ مِنْ أُسْلُوبِكِ وَجَمَالِكِ، وَآسِفٌ عَلَى ذِكْرِ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنَّ عُذْرِي أَنَّنِي مَا زِلْتُ فِي بِدَايَةِ تَدْرِيبِي عَلَى نِسْيَانِ هَذَا الْأَمْرِ.
وَعَرَفْتُ بِسُهُولَةٍ أَنَّكِ لَمْ تَعُدِّي اللِّقَاءَ أَكْثَرَ مِنْ تَوْطِيدِ صَدَاقَةٍ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَنِي أَكْثَرَ، وَقَرَّرْتُ حِينَ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ أَنَّنَا فِي صَدَدِ بِنَاءِ صَدَاقَةٍ، وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ خَطْوَةٌ مِنِّي فِي اتِّجَاهِ هَذَا.
ثَانِيًا: أَنَا مُصَابٌ بِالْقَلَقِ -وَأَرْجُو أَلَّا يُخِيفَكِ ذَلِكَ-، وَأَتَخَيَّلُ دَائِمًا مَسَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً لِكُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ حَوْلِي، وَيَشْغَلُ هَذَا الْقَلَقُ حَيِّزًا كَبِيرًا مِنْ يَوْمِي، وَهُوَ لَيْسَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِي فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّتِي الَّتِي أَرْجُو أَنْ تَكُونِي عَلَى عِلْمٍ بِهَا مِنَ الْبِدَايَةِ.
فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ لِلِقَائِنَا، لَمْ أَنَمْ جَيِّدًا، وَهُوَ شَيْءٌ يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاتِي كَثِيرًا، بِسَبَبِ نَوْبَةِ فَزَعٍ أَلَمَّتْ بِي نَتِيجَةَ الْحَادِثِ الَّذِي تَعَرَّضْتُ لَهُ. ظَلِلْتُ أَتَخَيَّلُ مَسَارَاتٍ تَنْتَهِي بِي إِلَى حَادِثٍ شَبِيهٍ بِهِ، أَكُونُ مَذْعُورًا مِنْ فِكْرَةِ أَنَّنِي سَأَتَعَرَّضُ لِحَادِثٍ آخَرَ شَبِيهٍ فِي أَثْنَاءِ عَوْدَتِي إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يُخَفِّفْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ سِوَى أَنَّكِ كُنْتِ مَعَي عَلَى الْهَاتِفِ، بِاطْمِئْنَانِكِ وَهُدُوئِكِ، لَنْ أَقُولَ جَمَالَكِ مَعَ أَنَّنِي أَوَدُّ قَوْلَ هَذَا.
وَعِنْدَمَا عُدْتُ وَحْدِي، أَخَذْتُ أَشْغَلُ نَفْسِي بِكِ لِأَطْمَئِنَّ قَلِيلًا، وَقَدْ أَفْلَحَ هَذَا فِعْلًا، فَكَانَتْ نَوْبَةُ قَلَقٍ خَفِيفَةٌ، تَمَكَّنْتُ مِنَ النَّوْمِ رَغْمًا عَنْهَا، وَبِمُسَاعَدَتِكِ الَّتِي لَمْ تَدْرِ أَنْتِ بِهَا.
ثَالِثًا: لَقَدْ فَكَّرْتُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ أُرْسِلَ لَكِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، وَهُوَ تَفْكِيرٌ نَاتِجٌ عَنْ قَلَقِي الْمُبَالَغِ فِيهِ، أَعْلَمُ ذَلِكَ. قَدْ فَكَّرْتُ أَيْضًا فِي أَنَّكِ رُبَّمَا سَتَظُنِّينَ أَنِّي أُقْحِمُكِ فَجْأَةً فِي عَالَمٍ لَمْ تَخْتَارِيهِ، وَرُبَّمَا لَا تُرِيدِينَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا سِوَى الْمَعْرِفَةِ السَّطْحِيَّةِ أَوْ شِبْهِ السَّطْحِيَّةِ، وَرُبَّمَا سَتُحْرَجِينَ مِنَ الرَّفْضِ، فَتُسَايِرِينَنِي مُدَّةً تُخَطِّطِينَ فِيهَا كَيْفَ تَهْرُبِينَ مِنْ هَذِهِ الصَّدَاقَةِ الْإِجْبَارِيَّةِ!
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّنِي –بِافْتِرَاضِ أَنِّي أَرْسَلْتُ الرِّسَالَةَ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّكِ تَقْرَئِينَهَا الْآنَ- قَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أُخْبِرَكِ كُلَّ هَذَا، لَيْسَ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ عِنْدِي قَبُولُكِ إِيَّاهَا، لَمْ يَتَأَكَّدْ لِي هَذَا بِأَيِّ شَكْلٍ، وَلَكِنِّي قَرَّرْتُ أَنْ أُقَاوِمَ خَوْفِي، وَأَنْدَفِعَ خَارِجَ مِنْطَقَةِ أَمَانِي، لَعَلِّي أَقْتَنِصُ مَا يَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبِي فِعْلًا.
وَرُبَّمَا إِذَا تَوَطَّدَتْ صَدَاقَتُنَا يَوْمًا مَا تَكْتَشِفِينَ فِيَّ صِفَاتٍ لَيْسَتْ سَلْبِيَّةً، تُعَوِّضُكِ عَنِ الْعَالَمِ الْمُخِيفِ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ عَلَى ظَهْرِكِ، فَتُسَلِّمِينَ إِلَيَّ مِفْتَاحَ قَلْبِكِ!! هَذَا مَا أَتَمَنَّى.
إِذَا كُنْتِ تَقْرَئِينَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، وَأَمَامَكِ كُوبُ قَهْوَتِكِ، أَوْ أَيُّ كُوبٍ آخَرَ لِتَرْفَعِيهِ عَالِيًا، وَتَصْدِمِيهِ فِي كُوبِي الَّذِي أَحْمِلُهُ أَنَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَعِنْدَهَا سَتَرْتَسِمُ عَلَى شِفَاهِنَا نَفْسُ الْبَسْمَةِ, وَنَفْسُ النَّظْرَةِ… رُبَّمَا.

هانى عبد المنعم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.