مقالات حياتية

التصــــــاق

استيقظت يوما ما لأجد نفسي غارقا، حتى منتصفي، في طريق من الأسفلت المرصوف حديثاً, حيث تؤثر على انفى و عيني رائحة الاسفلت.

الأمر الأكثر طرافة أنني لا أتذكر متى وقع ذلك تحديدا ولا كيف ….فقط وجدت نفسي بين طبقات الاسفلت ,!

ما أعرفه يقينا أنني لم أخرج من تحت الطريق فنحشرت بين طبقاته هكذا. أنا اذكر جيدا انه كانت لي حياة خارج الأسفلت (أذكر بعض أحداثها الرتيبة أحيانا، انها تأتيني على شكل ومضات سريعة). ومع ذلك فقد بدا لي الأمر كما لو كنت ملتصقا بهذا الأسفلت منذ الأزل. كأن لم تكن لي حياة قبله ولن تكون لى حياة بعده..

احترت كثيرا ماذا أصنع …العجيب ان السيارات تمر من حولى كأنى شئ قد اعتادوا على وجوده فى هذا المكان ….أحاول جاهدا ان اعسر تلابيب مخى لأتذكر كيف بدأ هذا كله؟… ما هي الوقائع التي رمتني في هذا الموقف؟ .. لا بد أن كل شيء قد حدث بالتدريج. مشكلة الزمن هي تلك السيولة الماكرة. لا نقاط واضحة و لا خطوط تفصل بين المراحل…. يبدو كل شيء كما لو كان طبيعياً للمارة من حولى …و أن كل هذا الوضع قد بدأ منذ زمن بالتدريج منذ وقت طويل. فقط انا فقط المتدارك بان وضعى ليس هنا فاستحالة ان اكون مثل نبات شق طريقه فى هذا الأسفلت.!

حياتى كانسان الان فى هذا الوضع ، اعتقد انها فاقدة لإطار الزمان والمكان، تشبه الغيبوبة. حياة آلية تتخللها ومضات سريعة من الوعي المفاجيء. فجأة تنتبه لنفسك ملتصق فى وسط الطريق بين طبقات الأسفلت ! هكذا معقول .!

بدء عقلى الباطن ذلك العجوز الذى لم يتحرك من مقعده منذ زمن ان يعطينى بعض السناريوهات لتهدء نفسي قليلا ..فأخذ يحدثنى فقال “لابد أنك استلقيت على الطريق بعد يوم عمل شاق مثل أيامك كلها ولكنك غفوت في الأسفلت الساخن فى ليلة شتوية عالية البرودة ، وحين استيقظت كان الأسفلت قد جف من حولك” …صمت قليلا لأتذكر و لكن الصراحة لا أذكر شيئا من هذا، لكن أعتقد انى احتاج ان أصدق و ان اعالج هذا الادراك المفاجئ… أريد ان اعالج الموقف ليهدء عقلى وينام و نرضى بأى تسوية .!

تحولت حيرتي إلى رعب عندما أدركت ألا مهرب، وأن هذه حياتي منذ هذه اللحظة .. أنا الآن مهندس … فى الأسفلت ..اعتاد الناس وتقريبا قبلهم كنت اعتدت ان هذا وضعى وهذا مكانى .!

و لكن ماذا لو حاولت أن أغير الواقع ؟،كل الناس من حولى لا يشعرون بى فاعتقد ان التغيير بلا جدوى، فقررت أن أكون إيجابيا .. أن أستسلم بشياكة للأمر الواقع . فتذكرت شريط من كتب التنمية البشرية و بعض فيديوهاتها لأحفز نفسي بنفسي ….فأنا فقط من يشعر ان وضعى فى الاسفلت ليس عاديا ..فلأحفز نفسي … عندما يعطينى القدر أسفلت ، فسأصنع منه عصير أسفلت . وإذا وجدت نفسك غارقا حتى منتصفك فى طريق أسفلت فستحضر فن مايكل أنجلوو و ارسم لوحة خالدة تٌخلد اللحظة الحالية .!

العجيب أن حياتي الجديدة في قلب طريق الأسفلت لم تكن تخلو من اللذة ابدا فيكفى ان تشاهد العابرون كل لحظة من امامك سواء بسياراتهم او كانوا مشاة على الاقدام … اذن ساجعل متعتى هى الفرجة على حياة الناس … ولكن معقول ؟ : حين يكون الإنسان غارقا في الاسفلت ،تكون متعته الوحيدة هى المشاهدة فقط بلا اى فعل او مشاركة … ولكن تخيل انها مثل حياتى القديمة لم اكن مشاهد فقط ولكن قاتل لوقتى وحياتى ايضا ..تأتيني الومضات بالاعوام السابقة من حياتى وانا أنا مهندس محطون لم يتغير شئ من روتينى و لا من مهاراتى أعتقد.

منذ ذلك الحين وبعد ان ارتضيت بالامر الواقع وأنا أراقب الزمان من مكاني في الاسفلت : أتأمل السحب والرياح وتعاقب الليل والنهار. و فترات اكتمال القمر … حصل هذا فعلا منذ يومين او شهرين او سنتين .. لست متأكدا على وجه الدقة: حين تعيش في الاسفلت يصبح الماضي والحاضر والمستقبل شيئا واحدا …روتينا واحدا…. ثبات الحال يفقد الزمن معناه …و تقل قدرتى على التذكر يوما بعد يوم .. تتباعد الذكريات والآمال وتتسع اللحظة الحالية لتلتهم كل شيء..

ومرت السنون، وتعاقبت الفصول ونبت العشب من حولى و تشققت طبقات الاسفلت …. وانتبهت ذات صباح، أنني تحولت تحولا آخر، و أدركت بشكل مفاجأ انى رجل من الأسفلت مع انى تأتيني ومضات انى كنت مهندسا ملتصق بين طبقات الأسفلت .”

تمت

بقلم هانى عبد المنعم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.